محاضرات في أصول الفقه - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ٣٣٢ - القول بأنّ الأمر بشيء عين النهي عن ضده العام
وهذا هو المقصود من الروايات الناهية عن ترك الصلاة. وليس المراد من النهي فيها النهي الحقيقي الناشئ من مفسدة إلزامية في متعلقه ، ولذلك لم يتوهم أحد حرمة ترك الصلاة وأنّ تاركها يستحق عقابين ، عقاباً لتركه الواجب ، وعقاباً لارتكابه الحرام.
وهذا التعبير ـ أعني به التعبير عن طلب شيء بالنهي عن تركه ـ أمر متعارف في الروايات في باب الواجبات والمستحبات وفي كلمات الفقهاء ( رضوان الله عليهم ) فترى أنّهم يعبّرون عن الاحتياط الواجب بقولهم : لا يترك الاحتياط. وعليه فمعنى أنّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه ، هو أنّهما متحدان في جهة الدلالة والحكاية عن المعنى ، في مقابل ما إذا كانا متغايرين في تلك الجهة.
وعلى ضوء ذلك صحّ أن يقال : إنّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه العام بحسب المعنى والدلالة عليه. فان اريد من العينية العينية بهذا المعنى ، فهي صحيحة ولا بأس بها ، ولكنّ الظاهر أنّ العينية بذلك المعنى ليست مراداً للقائل بها كما لا يخفى.
وإن اريد بها العينية في مقام الثبوت والواقع ـ أعني بها كون الأمر بشيء عين النهي عن تركه في ذلك المقام وبالعكس ـ فيرد عليه أنّه إن اريد من النهي عن الترك ، طلب تركه المنطبق على الفعل ، إذ قد يراد من النهي عن الشيء طلب تركه كما هو الحال في تروك الاحرام والصوم ، حيث يراد من النهي عن الأكل والشرب ومجامعة النساء والارتماس في الماء ولمس المرأة ولبس المخيط للرجال والتكحل والنظر إلى المرآة والمجادلة ، وغيرها ممّا يعتبر عدمه في صحة الاحرام ، طلب ترك هذه الامور ، فانّ هذا النهي لم ينشأ عن مبغوضية تلك الامور وقيام مفسدة إلزامية بها ، بل نشأ عن محبوبية تركها وقيام مصلحة إلزامية به ، وعليه لم يكن مثل هذا النهي نهياً حقيقياً ناشئاً عن مفسدة ملزمة